وحي القلم

ممنوع الوقوف

بقلم: صَالِح الرِّيمِي

إن الصوم والصلاة بدون المعاملة الحسنة لا يحققان المقاصد الكلية للعبادات التي ينبغي أن تُترجم كسلوك..

لهذا تأثرت واستأت كثيراً من موقفٍ عندما خرجت في وقت صلاة الجمعة متأخراً، وعلى عجلة من أمري، راكباً سيارتي، متجهاً إلى أحد مساجد جدة المشهورة، لإعجابي الشديد بأسلوب وطرح ذلك الخطيب وقدرته على إيصال المعلومة بأسهل الطرق، وبطريقة القصص الشيقة التي تجذبك إلى الخطبة، غير أن المواضيع التي يطرحها تهتم بسلوكيات وأخلاق المجتمع محاولاً علاجها بطرح مثالي بعيداً عن التكلف.

وأنا في طريقي للمسجد، سلكتُ الطريق المعتاد الذي أسلكه كل صلاة جمعة للوصول إلى ذلك المسجد، وقبيل الشارع المؤدي للمسجد فوجئت بأن الطريق مسدوداً، ولا مجال للتقدم للأمام لبلوغ المسجد من جميع الاتجاهات، قررت أن أعود إلى الخلف لأسلك الطريق المقابل، لأجد منفذاً يوصلني إلى المسجد.!!
أتدرون لماذا كان الطريق مسدوداً؟ ومن سده؟
الطريق لم يكن مسدوداً لأعمال صيانة أو إصلاحات في الطرق، أو الطريق مسدوداً لحادث مروري ـ لا قدر الله ـ..

لقد كان الطريق مسدوداً لأن كل مصلٍ يأتي ويوقف سيارته في المكان الذي يظن ويراه مناسباً له فقط، دون أدنى تفكير إن كان مناسباً للآخرين أم لا! أو أن سيارته ستغلق الشارع أم لا! كل هذا لا يهم والأهم عنده أن يقف بسيارته في أي مكان حتى يجد له مكاناً للجلوس وسماع الخطبة.

حتى وإن كان هذا هو ما يحدث كل أسبوع، أو عند موعد كل صلاة، فحدوثه وتكرار حدوثه لا يعني أن هذا هو الصواب، وأن المصلين يحق لهم إغلاق الطريق على الآخرين لأنهم في المسجد يعبدون الله..

وبعضهم يقف في أول الطريق لكي يتسنى له الخروج مبكراً ولا يهم إن أغلق الشارع أم لا، لكن المشكلة الأهم لو كان سائق السيارة يعرف أن الطريق سيغلق بإيقاف سيارته هنا وسيكون ضرراً لعامة الناس، ولا يعيره أي اهتمام فتلك مصيبة أخلاقية.

إنني أفكر في أي حالة طارئة ـ كالحريق لا قدر الله، أو حالة ولادة مستعجلة، أو غير ذلك ـ كيف يمكنها أن تخترق تجمع السيارات والطريق مسدود؟؟

أليس من المفروض أن يكون المصلون قدوة حسنة لغيرهم، وألا يكونوا سبباً في تنفير غير المصلين من الصلاة في المساجد؟؟

لا بد أن يفكر كل مصلي في كل الاحتمالات المترتبة على تصرفه هذا الغير أخلاقي، وحجم الضرر والأذى الذي قد يتعرض له آخرون لا يشاركونه الصلاة في المسجد أما لظرف طارئ أو مسافر أو أنه غير مسلم.

ثم لا أظن أن ديننا وأخلاقنا وقيمنا وعادتنا تعطي أولوية لأحد على حساب أحد، كما أن أداء العبادات لا يجب أن يكون منعزلاً عن الحياة نفسها..

والجانب الأهم كيف حال جيران المسجد وهم بكل تأكيد سيتضررون من سد الشارع، أليس هذا السلوك الخاطئ من قِبَل بعض المصلين مضراً بصورتنا الأخلاقية كمسلمين؟؟أ

لا يُعدّ هذا تطاولاً على الحق العام، وعدم احترام لحقوق الآخر، سواء كان مسلماً أو غير مسلم، لأننا لا نمتلك الطريق، وليس من حق أي منّا إغلاقه لأي سببٍ كان، فكيف إذا كانت الصلاة هي السبب، إن هذا يسيء إلينا كمسلمين أكثر مما يقرب الآخرين منا.

*ترويقة:*
إن الدين لا ينفصل عن سلوكنا، ولا ينفصل عن بقية تفاصيل حياتنا، ولا يعني اهتمامنا بديننا وعباداتنا وصلاتنا أن نهمل جوانب الحياة التي تمثل الجزء الآخر من سبب وجودنا على هذه الأرض، إذ لا يمكن حصر الدين بالعبادة فقط، ولكن الدين المعاملة، وهي معاملة العباد بكل خلق يمس حياتهم، فإذا أسقطنا هذه القاعدة الأساسية في جوهر الدين الإسلامي فإننا نسقط معها جزءاً كبيراً من بقية البناء الذي يقوم عليه ديننا.

*ومضة:*
قال صلي الله عليه وسلم: (إياكم والجلوس على الطرقات فقالوا: ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها قال: (فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقه قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر).

بقلم: صَالِح الرِّيمِي

*كُن مُتََفائِلاً وَابعَث البِشر فِيمَن حَولَك*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى