وحي القلم

باب القبول

زياد الفوزان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،

اتفق رجلان على دعوة آخران للإسلام ، واختلفا على الطريقة الأنسب للإستخدام، فانتهج الأول أسلوب كثرة التكرار بلا حوار واختار من العبارات ما فيه شيء من الإنذار، قام بذلك دون مراعاةٍ للحال وباستمرار وقدّم من الأدلة والحُجج ما لا يُشجّع على تغيير المسار .

أما الأخر فكان ينتهج أسلوب الحوار بلا كثير تكرار، وينتقي من العبارات ما فيه شيء من الإعذار، ويعتني أيما عناية بتحديد الحال المناسبة أملًا في أن يُحسن الإختيار ، ثم يقدم من الأدلة والجُجج ما تشخص منه الأبصار ويتفجرُ منها الماء من بين الأحجار .

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا في هذه الحال : أي المدعوّين سيقبل الدعوة ؟

إنه الثاني بلا تحليل ودون الحاجة إلى تعليل، أما إن قلت الأول فعليك مراسلتي بالايميل.

ما قام به الآخر هو محاولة غرس فكرة صحيحة بعد اجتثاث فكرة خاطئة قدر المستطاع ، من خلال عملية تسمى علميًا بالاقناع ، عن طريق مخاطبة العقول المؤدي إلى بوابة القبول .

وتعني هذه العملية بإطارها العام غرس الفكرة أو السلوك الصحيح، وتغيير أو تعديل الفكرة أو السلوك الذي يحتاج للمزيد من التنقيح.

إن غرس الصحيح واجتثاث الخاطئ من الأفكار والسلوك عن طريق بوابته يكون وإلا فإنه لا يكونذ، لذا فإن الإسلام أصّل لهذه العملية بالكثير من النصوص الواردة في الكتاب ، كمناقشة مؤمن آل فرعون قومه، والملك الذي حاج ابراهيم في ربه حتى ذاب، وحوارات النبي عليه الصلاة و السلام للعديد من الشباب ، كالذي رُزِقَ بمولود أسود والذي استأذنه في الزنا فما قام من عنده حتى تاب.

إن مقصود الإسلام الأول من هذه العملية هو بقاء وامتثال الفكرة والسلوك الصحيح ، مهما بلغت قوة رياح التقبيح ، وهذا بالإجماع إنما يكون بالإقناع ، فهو يحمي السلوك الصحيح كما يحمي الوجه القناع.

وإذا كان الواجب امتثال هذه العملية في الدعوة للإسلام أولاً ، فإن امتثالها عند غرس الصحيح واجتثاث الخاطئ في التربية والتنشئة لا ريب ثانياً.

إذ إن لها من قوة المفعول ، ما يضمنُ بقاءها دونما تزول ، وإن تربية وتنشئة الجيل من خلالها هي أهم ما يمكن أن نقول.

إنه في حقبة زمنية سابقة أخذ الاقناع في التربية والتنشئة التهميش ، ومن باب التلطيف أقول شبه التهميشل، ولا أُقيّمُ ذلك خطأً ، فأهلُ تربية تلك الحقبة بها أكثر درايةً وفهمًال، إلا أني على يقين ، بأن ذلك ليس هو نهج الصادق الأمين – عليه الصلاة و السلام-، فهل كان يُكرِه الناس حتى يكونوا مؤمنين؟ .

إنّ أعمق مشاكل التربية والتنشئة على طريقة غيرَ طريقة الاقناع ، هي إنشاء جيل يتمرد على الخطأ وهو يدرك أنه خطأ بحجة الإكراه والإخضاع ، وهي طريقة ظاهرة التعارض مع خِلقةِ الله للأطباع، فإن تعلّق الأمر بالدعوة للإسلام فإنّ حُجّته أقوى من حاجتها لإكراه أو توبيخ، وإن تعلّق بغرس صحيح واجتثاث خاطئ من الأفكار والسلوك فما فائدة أن يكون لها نهاية تأريخ ؟

ومما يُروى في الاقناع بفاعلية الاقناع :
أن الشمس والرياح تراهنتا على اجبار رجُلٍ على خلع معطفة فبدأت الرياح بهب عواصفها و هواءها الشديد رغبةً في كسب الرهان لكن الرجل فاجأها بأنّ ثباته وتمسكه بمعطفه يزداد ، فتراجعت قوتها وما لبثت أن سكنت كالجماد ، ثم بزغت الشمس بضوءها وهدوءها المعتاد ، فما كان من الرجل إلا أن ألقى معطفه مختاراً راغباً ولسان حاله يقول : إلا الإضطهاد .

ختامًا:
إنّ من كان في حقل التربية والتنشئة فيما نحن فيه من حقبة ، يتعين عليه الاقتناع بأن الاقناع لتربية وتنشئة هذا الجيل ليس لها مثيل ، بل ولا بديل ، فإذا بلغ ذلك بقي عليه الإكثار من الإطلاع ، على مفهوم وأُسس وفنون الاقناع ، حينها -بإذن الله- سيتمكّن من الغرس والاجتثاث كتمكن الجائع من الابتلاع.

والحمد لله رب العالمين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى